لبنان على مفترق الطرق من يقرر سيادتنا؟ فراس رفعت زعيتر في البناء في هذه اللحظة الدقيقة التي يمر بها لبنان، وسط تصاعد ال
لبنان على مفترق الطرق: من يقرر سيادتنا؟
فراس رفعت زعيتر في البناء
في هذه اللحظة الدقيقة التي يمر بها لبنان، وسط تصاعد التوترات الإقليمية والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، يبرز قرار سحب اعتماد السفير الإيراني كخطوة تحمل أكثر من علامة استفهام. السؤال ليس فقط عن التوقيت، بل عن الأساس القانوني والسيادي الذي يُفترض أن يحكم مثل هذه القرارات المصيرية.
هذا القرار ليس إجراءً إداريًا عابرًا. إنه يتعلق مباشرة بالسياسة الخارجية للدولة، والتي حسب الدستور ليست من صلاحيات وزير بمفرده، بل من اختصاص مجلس الوزراء مجتمعًا، وبمشاركة واضحة من رئيس الجمهورية. قبول اعتماد السفراء أو سحب اعتمادهم ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو انعكاس لإرادة الدولة بكامل مؤسساتها، لا إرادة فرد أو وزارة بعينها.
الاعتماد على تفسيرات انتقائية أو مواد قانونية مجتزأة لتبرير خطوة بهذا الحجم، يفتح الباب أمام تلاعب خطير بالدستور، ويحوّل نصوصه من أطر تنظيمية تحمي الدولة، إلى أداة لتبرير قرارات سياسية مسبقة. حتى في حالات إعلان دبلوماسي “شخص غير مرغوب فيه”، توجد آليات واضحة للحفاظ على توازن السلطات. تجاوز هذه الآليات يعرض الدولة لخلل دستوري خطير.
الأمر الأكثر حساسية هو البعد السياسي لهذه الخطوة. العلاقة مع الجمهورية الاسلامية الايرانية ليست مجرد علاقة دبلوماسية عادية؛ بل هي جزء من توازنات إقليمية معقدة تنعكس مباشرة على الداخل اللبناني، على اقتصاده، وأمنه، وموقعه في الإقليم. أي قرار من هذا النوع هو تعديل في التموضع السياسي للبنان، وليس مجرد إجراء تقني يمكن تجاوزه بسهولة.
والأدهى من ذلك، الترحيب الإسرائيلي الفوري بهذا القرار. عندما يصف مسؤول إسرائيلي خطوة لبنانية بأنها “مبررة وضرورية”، يصبح السؤال مشروعًا: هل باتت بعض القرارات الرسمية تتماهى مع مصالح العدو؟ وهل يمكن تجاهل هذا التلاقي في لحظة يسقط في لبنان ضحايا بسبب آلة الحرب الإسرائيلية؟
أي قرار سيادي يجب أن يُقاس أولًا بمدى خدمته للمصلحة الوطنية، لا بمقدار رضى الخصوم عنه. لبنان، الذي يدفع ثمن موقعه في قلب الصراع، لا يمكنه أن يتصرف وكأنه خارج هذا السياق، ولا أن يتخذ قرارات كبرى بمعزل عن تداعياتها الاستراتيجية.
الموضوع ليس دفاعًا عن طرف خارجي، بل عن منطق الدولة نفسها. دولة تتجاوز دستورها، وتضعف توازن سلطاتها، وتتجاهل تأثير قراراتها على الأمن الوطني والمصلحة العامة، هي دولة تفتح الباب أمام أزمات داخلية خطيرة وتضعف موقفها في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
في الختام، ما جرى ليس مجرد قرار دبلوماسي، بل اختبار حقيقي لمدى التزام لبنان بدستوره وسيادته وخياراته الوطنية. أي محاولة لتبسيط المسألة أو اختزالها كإجراء إداري، هي تجاهل لحقيقة أن لبنان اليوم واقف على مفترق طرق: إما دولة تحكمها مؤسساتها وتوازناتها، أو ساحة مفتوحة لتجاذبات تُدار خارج إرادته، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر على كل اللبنانيين.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها